ابن الجوزي

254

صيد الخاطر

ومن أشرف وأطيب عيشا من منفرد في زاوية لا يخالط السلاطين ولا يبالي أطاب مطعمه أو لم يطب ، فإنه لا يخلو من كسرة وقعب ماء ، وهو سليم من أن يقال له كلمة تؤذيه ، أو يعيبه الشرع حين دخوله عليهم أو الخلق . ومن تأمل حال أحمد بن حنبل في انقطاعه وحال ابن أبي دؤاد ويحيى بن أكثم عرف الفرق في طيب العيش في الدنيا والسلامة في الآخرة ، وما قال ابن أدهم : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذيذ العيش لجالدونا عليه بالسيوف . ولقد صدق ابن أدهم ، فان السلطان ان أكل شيئا خاف أن يكون قد طرح له فيه سم ، وان نام خاف أن يغتال ، وهو وراء المغاليق لا يمكن أن يخرج لفرجة ، فان خرج كان منزعجا من أقرب الخلق إليه ، واللذة التي ينالها تبرد عنده ، ولا يبقى له لذة مطعم ولا منكح ، وكلما استظرف المطاعم أكثر منها ففسدت معدته ، وكلما استجد الجواري أكثر منهم فذهبت قوته ، ولا يكاد يبعد ما بين الوطء والوطء فلا يجد في الوطء كبير لذة ، لأن لذة الوطء بقدر بعد ما بين الزمانين ، وكذلك لذة الأكل . فإن من أكل على شبع ووطئ من غير صدق شهوة ، وقلق لم يجد اللذة التامة التي يجدها الفقير إذا جاع ، والعزب إذا وجد امرأة . ثم إن الفقير يرمي نفسه على الطريق في الليل فينام . ولذة الأمن قد حرمها الأمراء . فلذتهم ناقصة ، وحسابهم زائد . واللّه ما أعرف من عاش رفيع القدر بالغا من اللذات ما لم يبلغ غيره إلا العلماء المخلصين كالحسن وسفيان وأحمد ، والعبّاد المحققين كمعروف ، فإن لذة العلم تزيد على كل لذة . وما ضرهم إذا جاعوا أو ابتلوا بأذى ؟ فإن ذلك زاد في رفعتهم وكذلك لذة الخلوة والتعبد . فهذا معروف ، كان منفردا بربه ، طيب العيش مع لذيذ الخلوة به ، ثم قد مات منذ نحو أربعمائة سنة فما يخلو أن يهدى اليه كل يوم ما تقدير مجموعه أجزاء من القرآن ، وأقله من يقف على قبره فيقرأ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ويهديها له . والسلاطين تقف بين يدي قبره ذليلة . هذا بعد الموت ، ويوم الحشر تنشر الكرامات التي لا توصف ، وكذلك قبور العلماء المحققين . ولما بليت أقوام بمخالطة الامراء أثر ذلك التكدير في أحوالهم كلها . فقال سفيان بن عيينة : منذ أخذت من مال فلان الأمير منعت ما كان وهب لي من فهم القرآن .